ابن قتيبة الدينوري

25

الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة

ومن المعقول لأن معنى تكلم الله اتى بالكلام من عنده « 1 » وترحم الله أتى بالرحمة من عنده كما يقال تخشع فلان أتى بالخشوع من نفسه وتشجع اتى بالشجاعة من نفسه وتبتل اتى بالبتل من نفسه وتحلم أتى بالحلم من نفسه ولو كان المراد أوجد كلاما لم يجز أن يقال تكلم وكان الواجب ان يقال : أكلم كما يقال أقبح الرجل أتى بالقباحة وأطاب أتى بالطيب وأخس أتى بالخساسة ، وان يقال أكلم الله موسى إكلاما كما يقال اقبر الله الميت أي جعل له قبرا أو أرعى الله الماشية جعلها ترعى في أشباه لهذا كثيرة لا تخفى على أهل اللغة . والعرب تسمي الكلام لسانا لأنه عن اللسان يكون ؛ قال الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت : واسمع كلام الله كيف شكوله * فاعجب ويلسنك الذي تستنشد أراد اسمع كلام الله ثم قال ويلسنك اي يكلمك الذي تستنشده اي كأنه يكلمك « 2 » وقال الله عز وجل حكاية عن إبراهيم وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ « 3 » وقال الشاعر « اني اتتني لسان لا أسر بها » اي أخبرت . وأما استشهاد هم بالجعل على خلق القرآن في قول الله إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا فان الجعل يكون بمعنيين أحد هما خلق والآخر غير خلق فأما الموضع الذي يكون فيه خلقا فإذا رأيته متعديا إلى مفعول واحد لا يجاوزه كقول الله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ « 4 » فهذا

--> ( 1 ) ترك المصنف الكلام في « كلم » وهو الوارد في كتاب الله دون « تكلم » اما المتكلم فلم يرد أيضا في الكتاب ولا في سنة مستفيضة وصفا لله سبحانه وقد ورد « كلام الله » فيهما وليس أحد من المسلمين ينفي القدر الثابت من الدين بالضرورة في ذلك وهو كون الله تولى نظم هذا الكلام دون سواه اما من جوز قيام الحوادث به سبحانه فيعده صادرا منه تعالى بحرف وصوت وأما أهل السنة فلا يرون هذا ويقولون بقدم كلام الله النفسي وحدوث الأصوات والنقوش والأوراق والقلوب التي فيها الكلام اللفظي . ( 2 ) قال ابن منظور : الإلسان ابلاغ الرسالة وألسنه ما يقول أي أبلغه . وفي رواية « ينبئك » في موضع « يلسنك » في البيت . ( 3 ) الشعراء 84 ( 4 ) الشعراء 84